Uncategorized

هكذا دُقت الأسافين لإحكام السيطرة على القدس

نابلس – بسام أبو الرب

عبر أحد الفيديوهات المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي، تحاول ابنة حي الشيخ الجراح في القدس المحتلة منى الكرد اطلاع صحفية على كيفية الاستيلاء على جزء من منزل عائلتها، الذي شيده والدها في العام 2000، إضافة الى المبنى القائم، بعد زيادة عدد أفراد العائلة ولم تسكنه البتة، واغلاقه بسبب قرار قضائي، بذريعة أنه مخالف للقانون وغير مرخص.

هذا المنزل غير المرخص حسب ادعاءات الاحتلال أصبح يقطنه مستوطنون في الوقت الحالي، بعد حرمان عائلة الكرد منه كل هذه السنوات، فأصبح محرما عليهم، وحلالا للمستوطنين التمتع فيه.

حال عائلة الكرد ينطبق على نحو 114 عائلة فلسطينية في حيي الشيخ جراح، وبطن الهوى في سلوان بمدينة القدس المحتلة، التي باتت تواجه خطر التطهير العرقي والتهجير القسري، وإخلاء منازلها، لصالح المستوطنين، بدعوى أنها ملكية لجمعيات استيطانية، رغم امتلاكها لوثائق تثبت ملكيتهم لأراضيهم.

أكثر من 54 عاما وهاجس التهجير يلاحق الفلسطينيين

تبلغ مساحة حي الشيخ جراح الذي يقع خارج أسوار البلدة القديمة 808 دونمات، ويقطن المنازل التي أنشئت في العام 1956، لإيواء الفلسطينيين الذين هجروا عام (1948)، 28 عائلة فلسطينية من خلال اتفاقية بين وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، والحكومة الأردنية، ولم يتم تسجيلها نتيجة حرب العام 1967، وكانت أولى عمليات الاستيلاء على منازل الحي، بتاريخ 9-11-1967 لصالح المستوطنين.

في العام 1972، بدأت معاناة السكان في حي الشيخ جراح، حينما زعمت لجنة طائفة “السفارديم” ولجنة اليهود الاشكناز ملكيتها للأرض، وطلبتا اخلاء أربع عائلات من منازلها، وهو ما حكمت به محاكم الاحتلال، ومنذ العام 2008 هجر الاحتلال عددا من العائلات، لصالح البناء في مستوطنة “شمعون هاتصديق”.

وفي سلوان، تحديدا حي بطن الهوى، الذي يعيش القاطنون فيه تحت خطر ترحيلهم عن منازلهم بشكل دائم، وتسعى سلطات الاحتلال بواسطة جمعيّة “عطيرت كوهنيم”، وبمصادقة محاكمها إلى ترحيل نحو 700 عائلة من سكّان الحيّ، متسلّحة في ذلك بتجاهُل الوقائع، والاستناد عوضًا عنها إلى حجج باطلة، وتأويلات قانونيّة خاطئة، حسب المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم”.

وأكد “بتسيلم” أنه جرى ترحيل 14 عائلة، إضافة إلى 4 أخرى قد صادقت محكمة الصّلح مؤخّرًا على ترحيلها بعد النظر في ثلاث دعاوى مختلفة، وهي: عائلات شويكي، وعودة، والدويك، والرجبي، وهناك مئات من السكان يعيشون في قلق دائم، بخصوص مستقبلهم، ومستقبل أولادهم، دون قدرة حقيقية على التأثير في حياتهم، وتشكيلها وفق إرادتهم.

وأشار إلى أن انتقال المستوطنين إلى قلب هذا الحي الفلسطيني قلب حياة السكان رأسا على عقب، وجعلها جحيمًا لا يُطاق، بعد أن فُرض عليهم العيش إلى جوار مستوطنين عدوانيين، وعلى مر السنين انتقلت نحو 25 أسرة من المستوطنين للسّكن في سلوان الفلسطينية، التي يبلغ عدد سكانها قرابة 20,000.

استغلال للقوانين ودق أسافين لإحكام السيطرة على القدس

ويتناول المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه “أكبر سجن على الأرض”، كيفية رسم السياسات الإسرائيلية منذ احتلال الأراضي الفلسطينية، من أجل السيطرة على مدينة القدس، والاستيلاء على أكبر قدر من أراضيها، وطرد السكان العرب منها.

ويصف ما يحدث في القدس على أنه تطهير عرقي، فمنذ العام 1967 والذي حاولت إسرائيل تسويقه للمجتمع الدولي على أنه ضمن الخطة العمرانية، ولكن هو عملية عسكرية بامتياز تولى قيادتها “رحبعام زئيفي”.

ويوضح، أن إسرائيل في العام 1970، أعادت العمل بقانون انتدابي يعود إلى العام 1943، كان قد بدأ استخدامه للاستيلاء على الأراضي، وفرضته على منطقة القدس المحتلة، التي ضمتها إليها في العام 1967، وهكذا استولت بموجب قانون “استملاك الأراضي للصالح العام” على مساحة 17 ألف دونم، جميعها أملاك خاصة للفلسطينيين.

ويقول بابيه “بعد العام 1967، أقامت اسرائيل المستوطنات اليهودية الجديدة في القدس الشرقية؛ باعتبارها جزءا من اسرائيل الجديدة، وكانت الوسيلة الأبرز لتوسيع مساحة إسفين القدس الشرقية عبر سرقة المزيد من الأراضي والاستيطان، وتصنيف بعض المناطق كمساحات خضراء، بالإضافة الى هدم المنازل والرفض المتكرر لطلبات الفلسطينيين بتشييد إضافات على أبنيتهم، وعدم استثمار البنية التحتية لمشاريع اسكان فلسطينية مستقبلية مع أن الفلسطينيين كانوا يدفعون الضرائب أسوة بالإسرائيليين”.

ويبين أنه خلال السنوات العشر الأولى التي تلت الاحتلال، ضم إسفين “التلة الفرنسية” في القدس الشرقية 15 منطقة استيطانية ضخمة جديدة، أبرزها: كان الحي اليهودي في البلدة القديمة، الذي بني بعد الاحتلال، وامتد ليغطي خُمس البلدة القديمة (116 دونما من أصل 668)، وفي اليوم الذي وقع فيه الاحتلال، طرد الى الأردن ستة آلاف فلسطيني كانوا يعيشون في ثلاثة أحياء من أصل أربعة، وهي: حي المغاربة الذي هدم بالكامل، وحي السريان وحي الشرف، والتي كانت تضم خمسة مساجد، وأربع مدارس، وسوقا تاريخا، وشارعا تجاريا، تعود كلها الى عصر المماليك.

ويوضح أن التلة الفرنسية من أولى المستوطنات التي بنيت على أراضي شعفاط، وهي تغطي 800 دونم، وتضم أكثر من 120 الف مستوطن، يقيمون في أكثر من 5000 وحدة سكنية.

ويضيف بابيه: في تسعينيات القرن الماضي أعيد رسم معالم القدس الكبرى بالكامل لتمتد على 600 كم2، ضمت 10% من الضفة الغربية، وقد بنيت مستوطنات تابعة في المناطق المحاذية لمنطقة القدس الكبرى الجديدة، بغية استعمالها مستقبلا كجسور برية بين القدس الكبرى، وباقي المستوطنات في الضفة الغربية.

ويشير إلى أن الإسفين الثاني سمي بـ”نفي يعقوب”، الذي أقيم بين العامين 1968-1980، والإسفين الثالث “راموت” الذي تطلب إنشاؤه مصادرة 4000 دونم من أملاك الفلسطينيين الخاصة، ويسكن فيه اليوم أكثر من 40 الف مستوطن.

ويتحدث بابيه عن الإسفين الرابع وهو مستوطنة “جيلو” دائمة التوسع، والتي أقيمت في العام 1971 على أرض مصادرة تقدر مساحتها بـ2700 دونم، فيما كان الإسفين الخامس” تلبيوت الشرقية” الذي بني في العام 173 على مساحة 2240 دونما فلسطينيا، ويقيم فيه أكثر من 15 الف مستوطن، وتعتبر مستوطنة “معلوت دفنا”، الإسفين السادس التي بنيت في العام 1973 على 7000 دونم من أراض كانت تملكها عائلات مقدسية، وقد بنيت هذه المستوطنة في قلب أحياء القدس الشرقية، لقطع تواصلها الجغرافي الطبيعي.

ويؤكد أن الجامعة العبرية التي شكلت الإسفين السابع، والتي بنيت في العام 1924 على أراضي العيسوية، وفي العام 1967 جرى الاستيلاء على المزيد من أراضيها، لصالح بناء حرم جديد فيها، وتمتد  على مساحة 740 دونما، في حين شكلت مستوطنة “رامات شلومو” الإسفين الثامن، والتي تأسست كمنطقة خضراء اصلا ممتدة على مساحة 1000 دونم، وجرى مصادرتها في العام 1970، وفي العام 1990 اقتلعت أشجارها، تمهيدا لبناء مستوطنة تضم أكثر من 2000 منزل، واخذت تتمدد الى ان باتت متصلة بمستوطنتي “بسغات زئيف” و”بسغات عومر” الإسفينين التاسع والعاشر، والمقامتين على اراضي بيت حنينا وشعفاط الفلسطينيتين وتبلغ مساحتهما الاجمالية 3800 دونم ويقيم فيهما أكثر من 100 الف مستوطن .

وتطرّق بابيه الى مستوطنتي “رامات اشكول” و”جبعات همفتار”، أول مستوطنتين أنشئتا للربط بين غرب القدس وشرقها، المقامتين على أراض صودرت من الفلسطينيين عام 1968 وتمتدان على مساحة 3300 دونم، ويقطنهما 60000 مستوطن، باعتبارهما الإسفينين الحادي عشر والثاني عشر، تضاف إليهما منطقة عطروت الصناعية المقامة على 1200 دونم والمصادرة في 1970، ومستوطنة “جفعات همتوس” المبنية عام 1990 على أراض مصادرة من قريتي بيت صفافا وبيت جالا، وتبلغ مساحتهما 170 دونما تقريبا، الإسفينين الثالث عشر والرابع عشر.

ويعتبر بابيه أن الإسفين الخامس عشر والأخير هو عبارة عن مجموعات سكنية وجيوب استيطانية ظهرت في مرحلة لاحقة. وقد تكاثرت بشكل عشوائي في ارجاء المدينة القديمة، وجنوب القدس، وشمالها، وتعد مستوطنة “هار حوما” المقامة على جبل أبو غنيم.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: