اخر الاخبار
فن الكرامة
صورة من كتاب مروان البرغوثي (ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي)

رام الله 12-5-2017 وفا- جيفارا سمارة

في كتابه المترجم لعشرات اللغات والشهير بالمحافل العسكرية والعلوم الاستراتيجية بأنه "الكتاب المقدس للدراسات العسكرية"، يصف الجنرال سون تزو، القائد الناجح بانه العامل الاساس في المعركة وانه "هديَّة السماء"، سلاح حاول الاحتلال تجريده من الاسرى في معركتهم (اضراب الكرامة) خاصة بعد رفض قيادي بحجم احمد سعدات التفاوض مع ادارة السجون، مرجعا الامر الى قيادة الاضراب (مروان البرغوثي).

اكثر من 2600 عام فصلت بين كتاب (فن الحرب) للخبير العسكري الصيني سون تزو، وكتاب القيادي مروان البرغوثي (ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي) الذي صدر عام 2011، ليفضح في صفحته 207 محاولتي الاحتلال كسر اضراب الاسرى، عبر بث الاشاعات في صفوفهم بان مروان ينعم بتناول الطعام وهم يعانون الجوع، من خلال شريط فيديو يظهر البرغوثي يتناول الطعام في عزله، الاولى عام 2004، والمحاولة الثانية خلال الاضراب الحالي، وهو مشهد مفبرك وصفته صحيفة "هارتس" العبرية نقلا عن مصادر "اسرائيلية" بانه كان "مدبرا".

"خلال ايام الاضراب الاولى، قامت سلطات الاحتلال بنشر صورة لي في الزنزانة، في اثناء تناولي الطعام، وبثتها التلفزة الاسرائيلية والصحف العبرية وتم توزيع هذه الصورة للأسرى، في حملة غايتها الايحاء ان قائد الاضراب يأكل وانتم تتضورون جوعا، وقد اخذت هذه الصورة بواسطة الكاميرا الدائمة المثبتة والمسلطة على الزنزانة قبل بداية الاضراب، ولكني واصلت الاضراب ولم اوقفه الا بعد انهاء الاسرى اضرابهم في كل السجون بثلاثة ايام، وقد رفضت مصلحة السجون التعامل معي باعتباري مضربا عن الطعام، واصرت على احضار الوجبات يوميا، ووضعها بعد تقييدي على حافة نافذة الباب لتعود وتأخذها مساء"، يقول البرغوثي في كتابه عن محاولة كسر الاحتلال لإضراب الاسرى عام 2004، وهو مشهد اعيد توزيعه بعد 13 عاما، في اضراب 17 نيسان 2017 والذي لا يزال مستمرا.

مروان الناجي من محاولة اغتيال ابان انتفاضة الاقصى، قال عنها شارون رئيس وزراء الاحتلال وقتها: "يؤسفني القبض عليه حياً كنت أفضله رماداً في جرة"، والسجين منذ عام 2002 بحكم 55 مؤبدات، لا يعيد في كتابه كشف ما وصفه بـ"الكذب" الاسرائيلي حول تناوله الطعام في الاضراب فقط، بل ويعيد التذكير بالأسباب الانسانية التي اعاد الاسرى اضرابهم عن الطعام مجددا للحصول عليها، من إنهاء سياسة الاعتقال الإداري، والعزل، ومنع زيارات العائلات وعدم انتظامها، والغاء عذاب رحلة البوسطة (عربة نقل الاسرى)، والعلاج وغيرها من المطالب.

ويؤكد البرغوثي (59 عاما) من قرية كوبر بمحافظة رام الله، والذي لم يشهد ولادة أي من أبنائه الأربعة (القسام، ربا، شرف، وعرب)، حيث كان معتقلا عام 1985 عند ولادة نجله قسام، ومطاردا في الجبال في عام 1986 عند ولادة ابنته ربا، ومبعدا عن الوطن عند ولادة شرف وعرب في عامي 1989 و1990، كما تشير زوجته فدوى التي كانتتضطر إلى تركه والقدوم إلى رام الله للولادة، كي لا تفقد مواطنة الأبناء في الأراضي المحتلة. يؤكد مروان في كتابه  ان لا متعة ولا سعادة في هذا العالم تعادل سعادة ان يضم الانسان ابناؤه اليه ويقبلهم "فهذه بالنسبة لي اعظم سعادة"، وزيارة الاهل بالنسبة للأسرى هي الدليل على بقائهم احياء، وحرمانهم منها هي ذات أثر نفسي سلبي كبير خاصة للأسرى الذين مات اقاربهم من الدرجة الاولى ويمنع الاحتلال زيارات اقاربهم من الدرجة الثانية، فيصبح المحامي هو الرئة التي يتنفس منها الاسير مع العالم الخارجي، ولأسوء هو في حالة العزل وزنازين الانفرادي.

جحيم يفوق في قسوته القتل والموت بألف مرة، ودنيا هائلة الحجم تنحصر في مساحة عيش لا تتجاوز الـ2.30مترا×1.30مترا، فيها فتحة بالأرض يفترض ان تتغوط فيها، وماسورة ماء يفترض انها للشرب والاستحمام، يرافقك فيها جرذان تخرج من فتحة الغائط لتذكرك بهذا الجحيم، ونمل يعشش في الزنزانة برائحة منتنة مقرفة، وصراصير بأعداد لا حصر لها تجتاح جسدك، تلك هي المشاهد اليومية في الزنازين التي يروي البرغوثي انه جاوره فيها على عدد من اخوة السلاح منهم حسن سلامة، وعبد الله البرغوثي...وغيرهم من قادة المقاومة من مختلف الفصائل الذين طال بهم الزمان في زنازين عزلهم، وصل اليها فيما اسماه الزنزانة المتنقلة (البوسطة) وهي المركبة التي تشكل هي والعزل أحد أبرز مطالب اضراب الاسرى بإلغائها.

ووسط كل هذه الظروف اللاإنسانية، يكون هم الاسير ان لا يصاب بالمرض، فكل الاضرابات والتضحيات التي دفعتها الحركة الاسيرة من خيرة شباب الوطن، كما يقول البرغوثي لم تفلح في وقف سياسة الاهمال الطبي المتعمد تجاه الاسرى الذي يكتفى به بإعطائك المسكنات من طبيب عام "يفتي" بكل الامراض والاعراض دون فحص، حيث الخشية الاكبر للأسرى هي ان ينقلوا الى مستشفى سجن الرملة، وهي مستشفى يسميها الاسرى بـ"المقبرة".

 ومع دخول اضراب الاسرى الحالي عن الطعام الذي يخوضه قرابة 1600 اسير، يومه السادس والعشرين فان المشهد لم يتغير في تفاصيله القمعية عن اضراب عام 2004  الذي استمر 19 يوما وفشل في تحقيق مطالبه، مع استمرار الحرب النفسية والترهيب وتحويل عيادات السجون إلى مراكز قمع يتشارك فيها اطباء الاحتلال مع السجان محاولات كسر الاضراب، بعرضهم على الاسرى العلاج مشروطا بإنهاء الإضراب، فيما يبقى من صمد في عزله عرضة للضرب والاعتداءات اليومية، والتفتيش، ومصادرة الأغطية والملابس إلا ما يلبس، ومنع زيارات الأهل والمحامين.

الا ان المتغير هذه المرة هي عزيمة على النصر عكستها تصريحات عميد الاسرى كريم يونس(الاسير منذ 35 عاما) والذي نقل بالأمس الى المستشفى بعد تردي وضعه الصحي عندما قال: "مستمرون في اضرابنا، حتى لو لُملمنا جثامين هامده، فإما النصر وإما الشهادة، ولن تخدعنا ألاعيب الاحتلال وفبركاته بالمس بمكانه وريادة الأخ مروان البرغوثي، وما هذه الفبركات إلا دليل على إفلاس سلطات السجون".

 ويبلغ عدد الأسرى في سجون الاحتلال 7000 أسير، بينهم 58 أسيرة منهن 15 قاصرة، و320 طفلا، و1200 مريض بينهم 19  أسيرا يقيمون بشكل دائم بسجن مستشفى الرملة أو(مقبرة الرملة كما يسميها الأسرى لما فيها من اهمال طبي)، و500 أسير محكومون مؤبدات، و9 أسرى تجاوزوا 30 عاماً، و21  أسيراً تجاوزوا الـ25 عاماً، و 29 أسيراً من قبل عام 1994، فيما بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة 210 شهداء، 72 من بينهم استشهدوا نتيجة التعذيب، و57 اسيراً استشهدوا نتيجة الإهمال الطبي، و74 اسيراً استشهدوا نتيجة القتل العمد بعد الاعتقال مباشرة، عدا عن الأسرى الذين أصدرت سلطات الاحتلال بحقهم قرارات بالإفراج، بعد تيقنها أنهم في مرحلة حرجة، استشهدوا بعد فترة وجيزة من الإفراج عنهم.

ويلفت البرغوثي في كتابه (ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي) الى ان الهجوم عليه ليس لشخصه فقط انما لقتل المعنى والفكرة وارادة الحرية، وهو معنى اكده رئيس شؤون هيئة الاسرى والمحررين عيسى قراقع بالأمس عندما قال: "إن الاحتلال يحاول اذلال مروان البرغوثي وتفكيك الاضراب من حوله بصفته المحرك الرئيسي لانطلاق الاضراب المفتوح عن الطعام، لإبقاء الاوضاع في السجون على ما هي عليه من السيطرة وسلب الاسرى حقوقهم الانسانية العادلة".