اخر الاخبار
الكاميرات القاتلة

القدس عاصمة فلسطين/رام الله ‏19-2-2018 وفا- بلال غيث كسواني

تنتشر في أيامنا هذه ظاهرة كاميرات المراقبة، والتي عادة ما يقوم المواطنون تجارا كانوا أو أصحاب منازل بتثبيتها على المنشآت التابعة لهم، أو في محيطها، بغرض توفير مزيد من "الأمن" للمباني، وقد دفع التطور التكنولوجي الذي شهده العالم في مجال كاميرات المراقبة وزيادة دقة تصويرها الاحتلال إلى استغلالها؛ للحصول على معلومات عن أبناء شعبنا، والإيقاع بهم، وتصفية بعضهم.

كثف الاحتلال مؤخرا عمليات الاقتحام التي ينفذها في مختلف أرجاء الضفة الغربية، ويتم خلالها الاستيلاء على أقراص التخزين الخاصة بتلك الكاميرات، للإيقاع بأبناء شعبنا، ورصد تحركاتهم، خصوصا في المظاهرات المناهضة له، ما دفع نشطاء ومواطنون لإطلاق دعوات من أجل تنظيم عمل تلك الكاميرات بشكل لا يتيح للاحتلال استغلالها.

ففي حين يؤكد إياد عبد الوهاب صاحب محل لبيع المواد الزراعية شمال غرب القدس أنه قام بتركيب كاميرات مراقبة دخل محله وخارجه، من أجل منع بعض العابثين من سرقة الأغراض، أو تخريبها، إضافة إلى سهولة مراجعة التصوير عند وجود خلل في العمليات الحسابية، واحتساب البضائع للزبائن، يشير إلى أن البعض يستغل تلك الكاميرات من أجل انتهاك خصوصية المواطنين، والتطفل عليهم.

ويشير إلى أنه يحرص على أن لا يتجاوز مدى تصوير الكاميرا الموجودة في محله التجاري حاجاته التجارية والأمنية، ويتجنب تصوير الشارع العام، من أجل عدم انتهاك خصوصية المواطنين، أو قيام الاحتلال بالاستيلاء عليها، لانتزاع المعلومات الموجودة داخلها، لخدمة أهدافه.

وفي ذات المحل التجاري، يقول المواطن محمد محمود "إن الكثيرين أساؤوا استغلال الكاميرات، موضحا أن البعض يقتنيها لمراقبة الآخرين، وقد يستغلها الاحتلال لرصد أبناء شعبنا، محذرا من أن غالبية الكاميرات المتصلة بشبكة الإنترنت قابلة للاختراق، وربما الاستغلال السيئ من قبل العابثين والاحتلال.

وكتب المدون خلدون مظلوم في مدونة له: دأبت قوات الاحتلال الإسرائيلي مؤخرا على "اعتقال" كاميرات المراقبة من المناطق الفلسطينية، لا سيما الأماكن التي تشهد عمليات اقتحام واعتقالات ومواجهات، لأن تسجيلاتها تقدم "كمية كبيرة جدا من المعلومات المجانية".   

نصائح لمنع الاحتلال من الاستفادة من هذه الكاميرات

الخبير في القضايا الأمنية اللواء واصف عريقات يوضح: "في ظل وجود احتلال نحن بحاجة لوعي بطريقة استخدام هذه الكاميرات، بشكل لا يفيد العدو، وأن لا يتم الاحتفاظ بالتسجيلات لوقت طويل، وكذلك من جانب آخر إذا لم تكن الكاميرات ضرورية، فعلى أبناء شعبنا تقنين استخدامها في خارج المنازل، والمؤسسات". 

ويشير إلى أن من يقوم بوضع هذه الكاميرات لحاجته لها عليه أن يعي أن عليه عدم إلحاق الضرر بأبناء شعبه، فالاستخدام الواعي للكاميرات يقلل الضرر الواقع، ويسهم في منع الاحتلال من الاستفادة منها.

من جانبه، الكاتب والباحث علاء أبو عامر يؤكد "أن كل من يقوم بتركيب كاميرات في المحال التجارية والمنازل لا يكون هدفه مساعدة الاحتلال في الوصول لأبناء شعبنا؛ بل لحماية أمنه الشخصي".

ويتابع: تخدم الكاميرات المجتمعات التي لا يوجد بها احتلال، وتساعد الأمن في اعتقال المجرمين، ولكن الاحتلال يستغل كل امكانياتنا للإضرار بالمجموع الفلسطيني الراغب في الخلاص منه، وعليه يتوجب على أبناء شعبنا أن يكونوا على قدر من الوعي بهذا الخصوص، من خلال عدم تخزين الصور لفترات طويلة، وكذلك وضع مدى للتصوير، ومراقبة طريقة تركيبها، بشكل لا يضر بأبناء شعبنا، بل على العكس يخدمهم، ويسهم في توفير الأمن لهم.

ويشدد أبو عامر على ضرورة وجود قانون فلسطيني ينظم عملية تركيب كاميرات المراقبة على المنازل والمحال التجارية، فكثير من الكاميرات يمكن أن تخدم أبناء شعبنا أيضا، فكاميرا المحال التجارية في شعفاط بالقدس كشفت تفاصيل اختطاف وحرق الطفل أبو خضير من قبل متطرفين يهود، وعليه من الضروري أن يكون هناك حراك مجتمعي من أجل توعية المواطنين بأضرار هذه الكاميرات، إذا أسئ استخدامها، وتنظيم ورش عمل؛ لتوفير توعية وبدائل تحول دون تمكن الاحتلال من استغلالها.

وفي السياق، الصحفي المتابع للشأن الإسرائيلي محمد أبو علان يوضح: التقارير الصحفية الإسرائيلية تشير إلى أن أجهزة الاتصالات الخلوية هي الوسيلة للتنصت على الفلسطينيين، ولكن اليوم أصبحت كاميرات المراقبة الأمنية هي الوسيلة لملاحقة الفلسطينيين، وأصبحت أداة أساسية يستخدمها الاحتلال.

ويضيف: "والاحتلال يعتمد على الكاميرات الموجودة في مختلف المناطق، وليس في مناطق المواجهات مع الاحتلال فقط، كما أنه استفاد منها في الكشف عن المتسببين بحرق كنيسة في الخبز والسمك في صفد داخل أراضي عام 1948 ".

وينصح أبو علان المواطنين بتحديد المساحة التي تصورها الكاميرات في حال وجود ضرورة لوضع كاميرة أمنية، وقال: علينا أن نستخدم الكاميرات بنطاق يحمي المنازل والمؤسسات فقط، وليس وبشكل يكشف مناطق أوسع يمكن ان يقوم الاحتلال بالاستفادة منها، كذلك يجب ان يكون هناك محددات لأهمية وجود الكاميرات من عدمه، فالكاميرات أصبحت مقصلة ولا داعي لوجود كاميرا على كل منزل مثلا.

انتهاك خلف جرائم حرب

ولكن وعلى المدى القصير، ربما قوات الاحتلال ليست بحاجة لكاميرات المراقبة الفلسطينية لإلقاء القبض على المقاوم الفلسطيني، فقد نقلت صحيفة "هآرتس" العبرية في 19 يونيو/حزيران 2017، خبرا قالت فيه "إن الجيش الإسرائيلي شرع منذ مطلع 2017 بتنفيذ خطة شاملة لنصب كاميرات على مفارق الطرقات والمحاور الرئيسية المتاخمة للمستوطنات في الضفة الغربية".

ووفقا للخبير في القانون الدولي د. ياسر العموري، "فإن المشكلة الحقيقية تكمن في أن إسرائيل تحتل الضفة وترتكب جرائم فيها، وهذا أهم من مسألة تركيب الكاميرات بالنسبة للقانون الدولي، فهذه الجرائم هي ما تمثل انتهاكات جسيمة ترقى لجرائم الحرب".

ويوضح العموري في تصريحات صحفية، أن الاحتلال سيمارس من خلال هذه الكاميرات جريمة أخرى هي" الاستفادة منها فيما يخدم مصالحه الأمنية، وسيتجاهل ويخفي كل ما يثبت ارتكاب جنوده لجرائم حرب بحق الفلسطينيين في الضفة"، مبينا أن السلطة الوحيدة على هذه الكاميرات ستكون للاحتلال، ولن يتمكن أحد من الاطلاع عليها.

ويضيف: أن ما ستسجله هذه الكاميرات قد يشكل جزءًا مما يُسمى بـ"الملف السري" الذي يُحاكم على أساسه مئات الفلسطينيين، فالاحتلال هنا ليس محتاجًا لعرض هذه التسجيلات في المحاكم أو مواجهة المتهم بها لإجباره على الاعتراف، بل إن بإمكانه إرفاقها في "الملف السري" المزعوم لكل أسير ومحاكمته بناء عليه دون أن يعرف أيّ شيء عنه.

نهاية القول؛ إن كاميرات المراقبة هي الداء والدواء؛ الداء لأنها ساعدت الاحتلال على الوصول إلى ابناء شعبنا، والدواء لو استخدمت لهدفها وتم نصبها داخل محيط المنازل والمحال التجارية والمنشآت، وليس على أسوارها من الخارج.