اخر الاخبار
الاستيطان ينهش عزبة أبو البصل
ارشيفية

سلفيت 28-9-2017 وفا-  عُلا مُوقدي

على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الغرب من مدينة سلفيت  تقع "عزبة أبو البصل"، والتي سميت على اسم مالكيها، لكنها اقترنت في الأذهان بحاج وحاجة من عائلة بلاسمة سكنوها أكثر من خمسين عاماً، وأنجبوا فيها عائلة مكونة من عشرة بنات توفيت احداهما، وولدين(حسن ومحمد)، حيث ارتقى محمد شهيداً عام 2004 على أرض العزبة.

يحتاج الذاهب إلى عزبة أبو البصل إلى المشي في الأراضي الوعرة لأكثر من نصف ساعة، فلا طريق معبدة أو زراعية صالحة تصل إليها، عدا عن عدم توفر الماء والكهرباء لتعزيز صمود عائلة بلاسمة فيها، ووقف الزحف الاستيطاني إليها.

أراض زراعية خصبة، خرب وآثار محيطة بالعزبة، طبيعة خلابة ينهشها الاحتلال في فترات زمنية غير متباعدة دون شبع من التهام الأرض ومقدراتها، وتدمير الإنسان فيها.

أبو البصل باتت مؤخرا هدفا استيطانيا يسعى الاحتلال من خلاله إلى ضم أراضيها لصالح مستوطنة أرئيل، من أجل التوسع واقامة المزيد من المنشآت الصناعية، حيث يُرى من كل مكان في داخل العزبة أعمال التجريف والضم التي يقوم بها الاحتلال ومستوطنيه، من أجل تهجير عائلة بلاسمة والسيطرة على مئات الدونمات التي عاشوا فيها منذ عشرات السنين مع مواشيهم ونباتاتهم.

يقول أفراد عائلة بلاسمة أنه رغم التجريف المستمر للأرض وصعوبة وخطورة الوصول إليها، إلا أن المكان بالنسبة إليهم "يرُد الروح".

في جولة  تفقديه لبيئة محافظة سلفيت مؤخرا، تعالت الأصوات استنكاراً  لما يحدث، فسوسة الاستيطان تنخر قمم الجبال يوما بعد يوم، لتنفيذ مخطط استيطاني مخيف استهدف الأراضي الزراعية الخصبة والمناطق الرعوية وأشجار التين والزيتون.

وحتى أراضي الوقف الإسلامي لم تسلم من مخططات الاحتلال في محاولة منه لطمس الآثار الاسلامية واقامة  شقق سكنية ومصانع، ففي مطلع الشهر الحالي بدأت جرافات الاحتلال بتجريف أرض "خلة الجامع"، الواقعة بالقرب من "عزبة أبو البصل" غربي سلفيت، لصالح المنطقة الصناعية التي تتبع مستوطنة "أرئيل" الغربية.

وبحسب الأهالي فإن أرض الوقف التي يطلق عليها خلة الجامع سبق وبنى المستوطنون مصنعا كبيرا فيها للحلويات والمعجنات يتبع مصانع مستوطنة "ارئيل".

 الحاجة أسماء جابر بلاسمة (78 عاما)، توفي زوجها قبل عامين ونصف، أجبرتها وحدتها وظروف العيشه الصعبة ومرضها على ترك العزبة والسكن في مدينة سلفيت، قائلة: "لو اتيحت لي الفرصة لبقيت وأحفادي نسكنها حتى مماتنا".

لم تكن هجرتها الأولى ولا الوحيدة عن أرضها، فهي هاجرت مع عائلتها من قرية كفار سابا في الأراضي المحتلة عام 1948، إلى مخيمات اللجوء في الكرامة، ثم تزوجت وأتت إلى العزبة التي لم يكن يمتلكون فيها سوا  دونمات قليلة.

تتابع: أرض العزبة منبع الخير والبركة، كنا نزرع القمح والشعير والعدس والخضروات ونربي الأغنام "ومسعدين زمانا"، نسكن في السقايف ونقوم بإيقاد الحطب في الشتاء للتدفئة وفي الصيف يكون جوها لطيف.

وتقول الحاجة أسماء: "طريقها كانت شاقة ووعرة خاصةً في أيام الشتاء الماطره، فهي تبدأ من وادي المطوي نحو قمة الجبل، وكنا نحتاج كل يوم للنزول والصعود إلى العزبة من أجل تأمين الماء من الواد، فالمزروعات والأغنام تحتاج لكميات كبيرة من المياه".

وتذكر بلاسمة، عندما أذهب إلى العزبة، أبكي وكأنها ملك والدي، وكل شهرين تقريباً أزورها مع بناتي وأحفادي نقطف الميرمية ونستعيد ذكرياتنا.  

قبل وجود المستوطنة سكن العزبة ما يقارب اربعمئة مزارع، رحلوا جميعاً منذ سنوات بسبب مضايقات الاحتلال وعدم توفر الماء والكهرباء، وبقيت وجرافات الاحتلال تعمل ليل نهار والمصانع التي لا تتوقف عن العمل.

في  شباط من العام 2016 ، قامت طواقم مساحة من المستوطنين، بمسح أراض تقع جنوب المنطقة الصناعية التي تتبع لمستوطنة "ارئيل الصناعية" ووضعوا علامات فوق عدد من الدونمات التي تعتبر من المراعي الخصبة تمهيدا لتجريفها قرب العزبة

وأفاد تقرير صادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي بدأت تأخذ أبعادا غير مسبوقة في مشاريع الاستيطان منذ بداية العام الجاري، والتي كان آخرها في نهاية آب المنصرم.

داخل غرفة صغيره من الطين بنتها عائلة بلاسمة في العزبة، اشتهر  قديما وحتى سنوات قليلة، طابون أم حسن بخبزه اللذيذ والمذاق الشهي للطعام المطهي فيه، الطابون لم يعد ينتج خبزا بعد أن ودعت العزبة آخر ساكنيها.

لم يعد أحد يقيم في عزبة أبو البصل، بينما تزورها عائلة بلاسمة بين فترة وأخرى لتفقد أراضيها وبيوتها القديمة، وفي أعين أم حسن كلما زارتها شريط من الذكريات عمره أكثر من خمسين عاما، تنتظر من يوقف الاحتلال عن هدمه واخفاءه كما تفعل جرافاته التي تسوي الأرض مستقيمة وتمسح آثار من سهروا وتعبوا في إخضرارها وصعود التوائاتها المحببة لأقدامهم.

ــــــــــــــــــــ